الشيخ محمد النهاوندي
304
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وفي رواية عن الرّضا عليه السّلام أنّه سئل عمّا يرويه النّاس من أمر الزّهرة ، وأنّها امرأة فتن بها هاروت وماروت ، وما يروونه من أمر سهيل وأنّه كان عشّارا باليمن ؟ ! فقال عليه السّلام : « كذبوا في قولهم إنّهما كوكبان ، إنّهما كانتا دابّتين من دوابّ البحر ، فغلط النّاس وظنّوا أنّهما الكوكبان ، وما كان اللّه عزّ وجلّ ليمسخ أعداءه أنوارا مضيئة ثمّ يبقيها ما بقيت السّماوات والأرض ، وأنّ المسوخ لم تبق أكثر من ثلاثة أيام حتّى ماتت ، وما تناسل منها شيء ، وما على وجه الأرض اليوم مسخ ، وإنّ الذي وقع عليه اسم المسوخيّة مثل القرد والخنزير والدّبّ وأشباهها إنّما هي مثل ما مسخ اللّه عزّ وجلّ على صورها قوما غضب اللّه عليهم ولعنهم بإنكارهم توحيد اللّه وتكذيبهم رسله . وأمّا هاروت وماروت ، فكانا ملكين علّما النّاس السّحر ليحترزوا به عن سحر السّحرة ويبطلوا به كيدهم » « 1 » الحديث . ولا يخفى أنّ الرّوايات التي تكون موافقة لما اشتهر بين العامّة ، لا بدّ من حملها على التقيّة لمخالفتها الكتاب والعقل . وقال بعض العامّة : إنّ مدارها ما روته اليهود « 2 » . وأمّا توجيهها بالذي تكلّفه الفيض رحمه اللّه « 3 » وبعض العامّة ، ففي غاية البعد « 4 » . وحملها على كونها أسرارا لا يناسب رواتها كعطاء « 5 » وابن الكوّاء « 6 » لبداهة عدم كونهما من أهل السّرّ والفهم . والحاصل : أنّ الروايات الدالّة على عصيان الملكين بالشّرك والزنا وشرب الخمر وقتل النّفس ومسخ الزّهرة ، ممّا يجب ردّها أو ردّ علمها إليهم عليهم السّلام لو لم يمكن حمل جميعها على التقيّة . وَما يُعَلِّمانِ السّحر وإبطاله مِنْ أَحَدٍ من النّاس حَتَّى يَقُولا للمتعلّم : إعلم إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ وامتحان من اللّه للعباد ، ليعلم من يطيعه فيما يتعلّم بإعماله في إبطال السّحر ممّن يعصيه
--> ( 1 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 271 / 2 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 1 : 138 ، تفسير روح البيان 1 : 191 . ( 3 ) . قال الفيض رحمه اللّه : وأما ما كذبوه من أمر هاروت وماروت ومسخ زهرة وقصّتهم المشتهرة بين النّاس فقد ورد عنهم عليهم السّلام في صحتها أيضا روايات ، والوجه في الجمع والتوفيق أن تحمل روايات الصحة على كونها من مرموزات الأوائل وإشاراتهم وإنهم لما رأوا أن حكاتها كانوا يحملونها على ظاهرها كذبوها ولا بأس بايرادها وحلها فان هاهنا محلها . الصافي 1 : 156 و 160 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 1 : 191 . ( 5 ) . تفسير العياشي 1 : 145 / 180 . ( 6 ) . تفسير العياشي 1 : 149 / 181 .